حسن الأمين

272

مستدركات أعيان الشيعة

« واتصل الأمر بالأمير يوسف فاحتدم غيظا وكان الحقد يغلي في صدره لارتفاع شان الشيعة واستفحال أمرهم وتطاولهم على أطراف الشوف ووادي التيم وإنذارهم لدرويش باشا والي صيدا منذ انتصارهم في معركة البحرة وهزيمة عثمان باشا التي تلكأ الأمير يوسف عن نصرته فيها . فزحف الأمير يوسف لاكتساح جبل عامل بجيش كثيف يزيد على أربعين ألف مقاتل مؤلف من طوائف شتى كما ثبت من تقارير القناصل . ولما دخلوا البلاد من جهة صيدا بدأوا يحرقون القرى ويدمرون المزارع ويقطعون الأشجار ويقتلون من يقع في أيديهم من السكان الآمنين ولا يعفون عن شيوخ ولا صبية ولا نساء . ( 1 ) والواقع ان هذه الحادثة على أهميتها لم تكن سبب الحرب بقدر ما كانت شرارتها الأولى . إذ من الثابت ان ناصيف النصار وحليفه ظاهر العمر قد اتفقا على خلع نير الدولة العثمانية عن كاهلهما . وقد كان لانتصار الشيخ ناصيف في معركة الحولة أكبر الأثر في دفع عثمان باشا والي دمشق للأمير يوسف الشهابي لقتال الشيخ ناصيف النصار . يضاف إلى ذلك ان ناصيفا نبذ طاعة درويش باشا والي صيدا بعد معركة الحولة وأرسل يهدده طالبا اليه ترك المدينة » فراعه قرب المتأولة منه وفر لدمشق « ( 2 ) لهذه الأسباب ، أرسل عثمان باشا ينخي الأمير يوسف على بني متوال » . ( 3 ) ومن ناحية أخرى فقد كان الأمير يوسف نفسه يرغب في قتال المتأولة الذين أظهروا الشحناء للأمير بسبب توليه مكان عمه الأمير منصور لأنهم كانوا يميلون اليه . وكان أكثرهم هياجا الصغيرية والصعبية . ( 4 ) وإذا كانت الأمور مرهونة بنتائجها فان هذه المعركة تبدو وكأنها جزء من خطة مسبقة لتحرير صيدا من النير العثماني من قبل الشيخ ناصيف كما يبدو أن الأمير يوسف كان في حملته في موقع الهجوم الدفاعي . لهذه الأسباب جميعا كان لا بد لمعركة كفر رمان ان تقع وكان مقتل « المكاريين » شرارتها الأولى . وكما سبق وأشرنا هجم الأمير يوسف متبعا في هجومه سياسة « الأرض المحروقة » « وكتب الشيخ علي الفارس إلى الشيخ ناصيف النصار شيخ مشايخ جبل عامل يبسط له القضية ويستنجده للدفاع عن البلاد وحماية الطائفة . فهب ناصيف للنجدة وأرسل ( الصوات ) لجمع الجنود وكتب إلى حليفه الشيخ ظاهر العمر الزيداني صاحب فلسطين يطلب النجدة . . . كان جيش الأمير يوسف يسير في اربع فرق : الفرقة الأولى وهي المقدمة وفيها الأمير يوسف في أول الجيش . الفرقة الثانية وهي الجناح الأيمن كانت تسير في طريق جباع - حومين حبوش - النبطية . الفرقة الثالثة وهي الجناح الأيسر كانت تسير في طريق العرقوب - الميذنة - الجرمق - كفر تبنيت - النبطية . وأخيرا الفرقة الرابعة وهي القلب كانت تسير في طريق جرجوع - عربصاليم - النبطية . وكانت قوى الشيخ علي الفارس وأخيه الشيخ حيدر الفارس تعسكر في الضاحية الشرقية الشمالية من النبطية في أرض تسمى ( قلادش ) ودعيت بعد المعركة « عريض القهوة » لأن جيش الشيعة شرب فيها قهوة النصر والظفر . قاوم الصعبيون جحافل الأمير يوسف مقاومة شرسة وكان جيش الشيخ ناصيف المؤلف من ثلاثة آلاف مقاتل يتجه نحو النبطية من طريق زبدين ودخل البلدة من الجهة الغربية ليدهم مقدمة الجيش المخيمة غربي البلدة وسار بخيله إلى ساحة العراك وهجم هجوم المستميت ولم يلبث العدو ان لوى عنانه متقهقرا إلى كفر رمان . لم يثبت في وجه الشيخ ناصيف سوى بعض الفرق بقيادة المشايخ النكديين وهجم الشيعيون بالسلاح الأبيض فانهزم الجيش كله انهزاما تاما يصعدون في جبل العرقوب وروابي سجد المطلة على سهل الميذنة وعقبة جرجوع وحراب الشيعة تعمل في أقفيتهم . . . ويقول المؤرخ العاملي الشيخ علي رضا ان الشيخ ناصيف النصار تعقب بنفسه الأمير يوسف الشهابي فأدركه في عقبة جرجوع فقنع رأسه بالرمح وأنزله عن ظهر بغلته إلى الأرض وألبسه الفرو مقلوبا وقال له عفوت عنك رأفة بشبابك واحتراما لأسرتك وأنا ابن نصار ! فأجابه الأمير يوسف : « قدها أولاد أم علي » . اي انكم أهل للعفو . و « أولاد أم علي » لقب يطلق على الشيعة وكانوا يفخرون به « . ( 5 ) وقد اختلف المؤرخون في تقدير عدد القتلى فذكر بعضهم انه حوالي ألف وخمسمائة قتيل . ( 6 ) اما مؤرخو جبل عامل فذكروا أن جيش الأمير يوسف ترك في ساحة المعركة ما يزيد على ثلاثة آلاف قتيل . ( 7 ) وكما اختلفوا في تقدير عدد القتلى اختلفوا في الأسباب التي أدت إلى هزيمة الأمير يوسف على الرغم من تفوق جيشه من الناحية العددية تفوقا لا يقبل الشك . فأشار البعض إلى أن جماعة الشيخ علي جنبلاط خذلوا الأمير يوسف نتيجة تحالفهم السابق مع الشيخ ناصيف فقد تخلى هؤلاء عن الأمير يوسف مع بدء المعركة « ولما انفصلوا عن العسكر تقلقلت الصفوف » . ( 8 ) وكذلك فعل الشيخ عبد السلام العماد « الذي راسل المتأولة سرا » ( 9 ) ان يقدموا على الأمير يوسف وانه متى وقعت الواقعة ينكسر قدامهم فيتبعه العسكر وهكذا كان . أما أدوار لاكروا فيذكر ان طليعة جيش الأمير يوسف كانت تنحدر بسرعة في أكمة فإذا بها أمام خمسمائة أو ستمائة خيال متواليا لأن المتأولة احتدموا غيظا لنهب قراهم فحملوا على الدروز حملة شعواء فارتدت طليعة جيش الأمير يوسف تتسلق الأكمة التي نزلت منها والحراب تعمل في أقفيتها . ولما وصلت إلى القمة التقت بالجيش ( جيش الأمير ) وهذا رءاها تصل بكل سرعة فظنها العدو . . . بدأ هو بالركض فكان الانكسار هائلا ( 10 ) ويبدو أن التعبئة العاملية لهذه المعركة كانت عامة وشاملة فقد ساهمت المرأة العاملية فيها بشكل أو باخر ، فقد كانت الفتيات تمد عسكر الشيعة بالماء والزاد وتسير زرافات من فرقة إلى فرقة تثير نخوة المقاتلة وحميتهم بالزغاريد والأغاني الحماسية كقولهن : وين راحوا أولاد أم علي ، وين سياج العذارى ، وين بني متوال يا عز الرجال « . ( 11 ) وكذلك ألهمت هذه المعركة عددا كبيرا من الشعراء والزجالين قصائد طويلة ومن أبرز من أشار إلى هذه المعركة الزجال الفلسطيني « شناعة بن مريح » عن شعراء ظاهر العمر :

--> ( 1 ) محمد جابر . ( 2 ) المقتطف . ( 3 ) لبنان في عهد الأمراء . ( 4 ) اخبار الأعيان . ( 5 ) محمد جابر . ( 6 ) عيسى المعلوف . ( 7 ) محمد جابر . ( 8 ) اخبار الأعيان . ( 9 ) الزين . ( 10 ) محمد جابر . ( 11 ) محمد جابر .